ابن أبي حاتم الرازي
116
كتاب العلل
أحدُها ( 1 ) : فِي لَيْلَةِ القَدر : تَحَرَّوْها ( 2 ) فِي السَّبْع الأَواخر ( 3 ) . وأنَّ الناسَ كانوا في صَلاة الصُّبْحِ ووجوهُهُم إِلَى الشَّام ، فأتاهُم آتٍ : أنَّ رسولَ الله ( ص ) ( 4 ) نُزِّلَ عليه قرآنًا ( 5 ) ، وأُمِرَ أن يَسْتقبِلَ الكعبةَ ؛
--> ( 1 ) في ( ت ) و ( ك ) : « أحدهما » . ( 2 ) في ( ك ) : « تحدوها » . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 1165 ) من طريق مالك ، عن عبد الله بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وأخرجه البخاري ( 2015 و 6991 ) من طريق نافع وسالم ، ومسلم ( 1165 ) من طريق نافع ، كلاهما عن ابن عمر . ( 4 ) في ( ت ) و ( ك ) : « أن النبي ( ص ) » . ( 5 ) لك في ضبط هذه العبارة وجهان : الوجه الأوَّل : « أنَّ رسول الله ( ص ) نَزَّلَ عليه قرآنًا ، وأَمَرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكعبةَ » بإضمار فاعل « نَزَّلَ » ، وهو عائدٌ على الله تعالى ، و « أمَرَ » : فعلٌ مبنيٌّ للفاعل ك « نَزَّلَ » ، ومفعوله محذوفٌ تقديرُهُ : وأمَرَهُ أَنْ يَسْتقبِلَ الكعبةَ ؛ ويشهد لهذا الوجه رواية البخاري ( 4488 ) ، ففيها : « إذ جَاءَ جاءٍ ، فقال : أَنْزَلَ اللهُ على النبيِّ ( ص ) قرآنًا : أنْ يَسْتقبِلَ الكعبةَ » . والوجه الثاني : « أنَّ رسولَ اللهِ ( ص ) نُزِّلَ عليه قرآنًا ، وأُمِرَ أَنْ يَسْتقبِلَ الكعبةَ » - كما أثبتناه في كلام المصنِّف - ف « نُزِّلَ » : مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله ، ويتخرَّج ما بعده على إنابة الجار والمجرور - وهو « عليه » - مُنَابَ الفاعل ، و « قرآنًا » : مفعولٌ به ل « نُزِّلَ » منصوبٌ ؛ وهذا جائزٌ على مذهب الكوفيين وابن مالك وأبي عُبَيْد ، حيث يجيزون إقامة غير المفعول به نائبًا للفاعل - مع وجود المفعول به - مطلقًا ؛ سواءٌ تقدَّم المفعول أو تأخَّر ؛ فيقولون : ضُرِبَ زيدًا ضربٌ شديدٌ ، وضُرِبَ ضربٌ شديدٌ زيدًا . وكذلك في الظرف والجار والمجرور ؛ واستدلوا بقراءةِ أبي جعفر المدني والأعرج وشيبة وعاصم : { لِيُجْزَى [ الجَاثيَة : 14 ] { لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } ، وقراءة أبي جعفر وشيبة وابن السميفع : { وَيُخْرَجُ ّ ِ ُ َ ِ [ الإسرَاء : 13 ] { يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا } . ولهم أيضًا شواهد من الشعر . ولو أُنِيبَ المفعولُ به في هذا ، لقيل : لِيُجْزَى قومٌ بما كانوا يكسبون ، ويُخْرَجُ له يَوْمَ القيامةِ كتابٌ ، والأخفش يجيز ذلك إذا تقدَّم غير المفعول به عليه ، فتقول : ضُرِبَ في الدار زيدٌ ، وضُرِبَ في الدار زيدًا . وإنْ تقدَّم المفعولُ به على غيره ، تعيَّنتْ إنابتُهُ عنده ؛ نحو : ضُرِبَ زيدٌ في الدار ، ولا يجوز : ضُرِبَ زيدًا في الدار ، ولكنَّ الأخفش محجوجٌ بما احتج به الكوفيون من قراءة أبي جعفر ومَنْ معه . وأما البصريون - ما عدا الأخفش - ومن وافقهم فلا يُجيزون إقامة المفعول به نائبًا للفاعل مع وجود المفعول به ، مطلقًا ؛ سواءٌ تقدَّم المفعول به أو تأخَّر . = = وما ورد من ذلك من الشواهد فإنه عندهم شاذ وضرورة إن كان في الشعر ، ومؤوَّلٌ إذا وقع في النثر . فيقولون : إنَّ نائب الفاعل في مثل هذا هو ضمير المصدر المفهوم من الفعل ، وليس الجارَّ والمجرور ونحوه مما سوى المفعول به ؛ ففي الىية قالوا : التقدير : لِيُجْزَى هو - أي : الجزاءُ - قومًا بما كانوا يكسبون . وفيما نحو حديثنا : التقدير : نُزِّلَ هو - أي : التنزيل - عليه قرآنًا . وقد ردَّ تأويلهم السمين الحلبي في " الدر المصون " . وقد خطَّأ بعض العلماء هذا الأسلوب في العربية ، منهم ابن جِنِّي في " الخصائص " ( 1 / 397 - 698 ) ، وهو محجوجٌ بقوله في " المحتسب " ( 1 / 236 ) - وهو من آخر ما ألَّف - : « ليس ينبغي أن يُطْلَقَ على شيء له وَجْهٌ من العربيَّةِ قائمٌ - وإنْ كان غيرُهُ أقوى منه - : أنَّه غَلَطٌ » . اه - . ومنهم الفراء وابن جرير الطبري ، وقد لحن بعضهم أبا جعفر وغيره في القراءة المذكور ، والقراءة سنة متبعة . . . . إذا تقرَّر ذلك : فما وقع عندنا في النسخ صحيحٌ ومتَّجِهٌ على مذهب الأخفش أيضًا ؛ لتقدُّم النائب على المفعول به « نُزِّلَ عليه قرآنًا » . ويؤيد تخريجنا ما في النسخ على هذا الوجه الثاني رواية البخاري ( 403 ) و ( 4490 ) وغيرها ، وفيها : « إنَّ رسول الله ( ص ) قد أُنْزِلَ عليه الليلة قرآنٌ » . انظر : " اللباب ، في علل البناء والإعراب " ( 1 / 158 - 161 ) ، و " التبيين " للعكبري ( ص 268 ) ، و " شواهد التوضيح " ( ص 226 - 227 مبحث رقم 57 ) ، و " شرح شذور الذهب " ( ص 192 - 193 ) ، و " أوضح المسالك " ( 2 / 123 - 135 ) ، و " شرح ابن عقيل " ( 2 / 460 - 463 ) ، و " شرح الأشموني " ( 2 / 136 - 138 ) ، و " همع الهوامع " ( 1 / 585 - 586 ) ، و " خزانة الأدب " ( 1 / 329 - 330 ) ، و " البحر المحيط " ( 6 / 311 ) ، و " الدر المصون " للسمين الحلبي ( 9 / 645 - 646 ، ووقع فيه وهَمٌ في تحرير مذهب الأخفش ؛ فقد جعلَهُ كمذهب الكوفيين بلا فرق ) ، و " أضواء البيان " ( 4 / 245 ) ، و " معجم القراءات " لعبد اللطيف الخطيب ( 5 / 26 - 28 ) ، ( 8 / 455 - 457 ) .